الشيخ محمد رشيد رضا

301

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ليس من تصنيف يوحنا الذي هو أحد تلاميذ المسيح بعدة أمور ( منها ) أسلوبه الذي يدل على أن الكاتب لم يكتب ما شاهده وعاينه بل ينقل عن غيره ( ومنها ) آخر فقرة منه وهي ما أوردناه في الاستدلال على أنه لم يكتب عن أحوال المسيح وأقواله الا القليل ، فإنه ذكر فيها يوحنا بضمير الغائب وانه كتب وشهد بذلك ، فالذي ينقل هذا عنه لا بد أن يكون غيره ، وقصاراه انه ظفر بشيء مما كتبه فحكاه عنه ونقله في ضمن إنجيله ، ولكن أين الأصل الذي ادعى ان يوحنا كتبه وشهد به ؟ وكيف نثق بنقله عنه ونحن لا نعرفه ورواية المجهول عند محدثي المسلمين وجميع العقلاء لا يعتد بها البتة ( ومنها ) انهم نقلوا أن الناس أنكروا كون هذا الإنجيل ليوحنا في القرن الثاني على عهد ( ارينيوس ) تلميذ ( بوليكارب ) الذي هو تلميذ يوحنا . ولم يرد عليهم أرينيوس بأنه سمع من بوليكارب ان أستاذه يوحنا هو الكاتب له ( ومنها ) نقله عن بعض كتبهم ما نصه « كتب ( استادلن ) في كتابه : « ان كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية بلا ريب » ( ومنها ) ان المحقق ( برطشنيدر ) قال : ان هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل صنفها أحد ( كذا ) في ابتداء القرن الثاني ( ومنها ) ان المحقق ( كروتيس ) قال إن هذا الإنجيل كان عشرين بابا فألحقت كنيسة افساس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا ( ومنها ) ان جمهور علمائهم ردوا احدى عشرة آية من أول الفصل الثامن الخ ( 6 ) علمنا مما تقدم ان النصارى ليس عندهم أسانيد متصلة ولا منقطعة لكتبهم المقدسة ، وانما بحثوا ونقبوا في كتب الأولين والآخرين وفلوها فليا لعلهم يجدون فيها شبهة دليل على أن لها أصلا كان معروفا في القرون الثلاثة الأولى للمسيح ، ولكنهم لم يجدوا شيئا صريحا يثبت شيئا منها ، وانما وجدوا كلمات مجملة أو مبهمة فسروها كما شاءت أهواؤهم وسموها شهادات ، ونظموها في سلك الحجج والبينات ، وان كانت هي أيضا غير منقولة عن الثقات ، ثم استنبطوا من فحواها ومضامينها مسائل متشابهة زعموا ان كلا منها يؤيد الآخر ويشهد له وقد أشرنا إلى ضعف كل واحدة من هاتين الطريقتين فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ »